السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
169
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
وأنت تعلم أنّ عذرهم هذا لا يعدو ما قلناه من اجتهاده في مقابل النصّ ، وتقديمه الرأي الاجتهادي في مقام العمل على التعبّد بالنصوص . على أنّه في هذه الواقعة لم يقتصر على نفسه في مقابلة النصّ ، حتّى حمل عليها أبا هريرة بالعنف مهانة وضربا خرّ به لإسته . ولم يقف على هذا الحدّ حتّى كلّف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالعدول عمّا كان قد أصدر به أمره ؛ إذ قال بكلّ جرأة وصراحة : لا تفعل . لكنّه صلى الله عليه وآله وسلم وسعه بحلمه وطول أناته ، وكان كما قال اللّه تعالى : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » « 1 » . لم يكن لهذه المعارضة عنده صلى الله عليه وآله وسلم أيّ أثر ، وقد بلّغ تلك البشرى للامّة بنفسه متوكّلا على اللّه ، فسمعها منه عمر نفسه ، وعثمان بن عفّان ، ومعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وعتبان بن مالك ( 1 ) وغيرهم حتّى تجاوزت حدّ التواتر ، فكانت من الضروريّات بين المسلمين على اختلافهم في المذاهب والمشارب . وإنّ ممّا يدهش العقلاء قول هؤلاء العلماء الأجلّاء العلّامة النووي والقاضي عياض وأمثالهما : إنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانب عمر ، وادّعوا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صوّبه حين عرض عليه رأيه ، فحقّ لنا بهذا أن نعوذ باللّه من كلّ محال ، ونبرأ إليه من كلّ باطل .
--> ( 1 ) - . آل عمران 159 : 3 . ( 2 ) - . صحيح مسلم 55 : 1 - 62 ، كتاب الإيمان ، ح 43 - 55 .